انضم لنا

إشترك معنا


البحث


أضيف في 29 أبريل 2013 الساعة 18:38


ورقة حول البيداغوجيات المؤطرة للمناهج الدراسية


الداخلة 24: حسن بلقزبور

كثر الحديث مؤخرا حول المقاربات والنماذج التربوية المتحكمة في المناهج الدراسية خاصة أثناء التفكير في إعداد دفاتر تحملات لتأليف الكتب المدرسية حتى تكتسي طابعها العلمي والمنهجي بعد انحسار بيداغوجيا الإدماج التي تعتبر مقاربة منهاجية حسب صاحبها غزافيي روجرس والتي كان قد تم اعتمادها كإطار عملي ومنهجي لأجرأة المقاربة بالكفايات في دفاتر التحملات السابقة والتي لم يكتب لها أن ترى النور. وإسهاما منا في إغناء النقاش الدائر حاليا حول هذه المقاربات الكبرى المؤطرة للمناهج الدراسية ارتأينا المساهمة بهذه الورقة.

في البداية أود أن أتقدم بهذا المدخل  عسى أن  أتمكن من توضيح بعض الغموض واللبس الحاصل في ما يتعلق باختيار المقاربات  المنهاجية المؤطرة لللبرامج الدراسية :

المقارنة بين مناهج ذات مداخل مختلفة

1. مناهج  مبنية ومصاغة وفق بيداغوجية  المحتوى:

يعتبر هذا النموذج تقليديا استمر رائجاً حتى نهاية السبعينيّات و محوره الأساسي  هو المحتوى أي "ماذا نعلّم؟" أما مركز الاهتمام فهو المعلم أو الأستاذ والأنشطة التي يقوم بها.

كما يعتمد هذا النموذج  المسعى الاستقرائي والمسعى ألاستنتاجي ، وهما مسعيان  لهما الدور الأساسي في الممارسات الصفيّة ويعطي للمعارف وزنًا ثقيلاً كونها العامل الحاسم  في فهم العالم المحيط بنا

أما عمليّة التقويم فتهدف إلى قياس قدرات التلميذ في استذكار المعارف وتطبيقها في وضعياتٍ أقرب ما تكون إلى تلك التي تمَّت معالجتها في الصف خلال عملية التعليم.

لهذا فالتنسيق عمودي بين الحلقات كما يعتمد تنسيقا أفقيا بين مختلف المواد على مستوى المعارف.

أمّا الانتقادات الأساسية التي واجهت مقاربة المناهج عبر المحتوى فتكمن فيما :

-        الميل إلى تعليم المحتوى خارج سياق استعماله.

-        ميل المعلِّمين لإتباع المسعى التسلسلي الخطي في عملية التعليم دون الأخذ بعين  الإعتبار عدم كونه، بالضرورة، المسعى المناسب لعملية تعلُّم طويلة الأمد.

-        تجزئة المعرفة إلى معارف صغيرة يسهل تعلُّمها وتقويمها، من دون أية ضمانات بقدرة التلميذ على نقل هذه المعارف واستعمالها في وضعياتٍ من الحياة اليومية.

-        عدم إعطاء تنمية القدرات والمهارات الفكرية الاهتمام الذي تستحق بسبب تركيزه على المحتوى الأكاديمي.

-        تفضيل محتوى على آخر تبعاً لرؤية واضعي المنهاج، وليس تبعاً لقواعد ومعايير اجتماعية.

-        اعتماد نظام تقويم يقوم بالدرجة الأولى على إعادة إنتاج المعارف التي تمَّ تعلُّمها، باعتبار ذلك نهاية المطاف.

-        اعتباره منهجاً نخبوياً لأنه يُنتج " علماء" لا مثقفين.

2. مناهج على أساس الأهداف التربوية :

لجأت هذه المناهج المبنية على أساس الأهداف إلى  المقاربة السلوكية أو التربية السلوكية أساسًا على اعتبار أن الهدف التربوي هو غاية التعلُّم  وتكون هذه الأهداف مصاغةً بتعابير سلوكية  قابلة  للملاحظة والقياس مهما كان  الهدف صغيراً.(1977، Mager )

يتم  بناء المناهج وفق هذا النموذج الهدفي  باختيار لمحورٍ معينٍ يعتبره واضعو المناهج  مهماً انطلاقاً من ثقافتهم ورؤيتهم التربوية. أما انتقاء الأهداف التربوية فيتمّ بالنظر إلى المميِّزات الفردية للمتعلمين: الاستعداد للتعلُّم، طرائق التفكير عندهم، إيقاع التعلُّم، إلخ...

ومن إيجابيات هذه المقاربة:

اعتبار التلميذ للمرة الأولى محوراً لعملية التعلّم بدلاً من الأستاذ .

الانتقال من استراتيجية "ماذا نعلّم؟" إلى استراتيجية "ماذا نعلّم؟" و"كيف نعلّم؟"، حيث تمّ إعتبار طرائق التعليم جزءًا من المنهاج.

الانتقال من إعادة التذكر واكتساب المعرفة بحدّ ذاتها إلى تطوير القدرات الفكرية والمعرفية.

التنوّع في الخيارات التربوية والممارسات الصفية التي يمكن للأستاذ  اعتمادها.

أمّا سلبيات هذه المقاربة فهي كالتالي :

الصعوبة التي يواجهها واضعو المناهج في عملية اختيار الأهداف التربوية وملاءمتها للجمهور المعني بهذه الأهداف.

تجزئة الأهداف التربوية إلى أهداف صغيرة لتسهيل اكتسابها بشكل منفصل من دون النظر إلى قدرة التلميذ على الربط بينها.

عدم قدرة التلميذ على توظيف الأهداف، المكتسبة بشكلٍ منفصل، في وضعيّات مركّبة.

دفع الأستاذ  إلى إنهاء هذه الأهداف المتعددة بأي ثمن وتحت أي ظروف مما يجعلها غير ذات فائدة ملموسة .

إذا كان صحيحاً أن التلميذ قادر على تعلّم كل شيء اذا أعطي له الوقت اللازم. لكن الوقت له ثمن في حياتنا اليومية!

تقويم هذه الأهداف يتمّ عبر تمارين بسيطة التركيب لا تحتاج غالباً إلاّ إلى القدرات المعرفية الأولية البسيطة.
3.
المناهج المبنية على  أساس  المقاربة بالكفايات

وهي اعتماد المقاربة بالكفايات  في بناء المناهج بدلاً من المقاربة بالأهداف باعتبار الممارسات المجتمعية السليمة مرجعاً لا يمكن الاستغناء عنه للكفايات المطلوب تنميتها عند المتعلمات والمتعلمين ، ومن ضمنها المعارف والقدرات والمواقف التي تمثِّل موارد لهذه الكفايات.

وهي تعتمد النظرة الفلسفية البنائية-الاجتماعية بدلاً من النظرة السلوكية.كما تركز  في عملية التعليم على التلميذ بدلاً من الأستاذ. فهي بذلك لا تلغي الأهداف بل تعتبرها موارد أساسية لتطوير الكفايات  حيث تركز على  استراتيجية تعلم ثلاثية الأبعاد هي : "ماذا نعلّم؟"، "كيف نعلّم؟"، "لماذا نعلّم؟".

وؤكد على عدم تجزئة مهمَّات التلميذ إلى وحدات صغيرة بسيطة منفصلة عن كل سياق وعن الإنتاج المركب النهائي المنتظرو تساهم في تشجيع الممارسات التربوية ذات المواد المتقاطعة.

كما تعطي  أهمية خاصّة للوضعيات – المشكلة المأخوذة من الحياة اليومية بدلاً من التركيز على محتوى معرفي بمعزلٍ عن كل سياق إن على مستوى التعلّم وإن على مستوى التقويم التربوي.

الآن وبعد بعد هذا الفرش النظري المقدم لهذه  الورقة التعريفية بالمقاربات المنهاجية المؤطرة للمناهج التربوية يمكن طرح السؤال التالي : أي مقاربة تؤطر منهاجنا الدراسي؟

الجواب عن هذا السؤال يتطلب منا النبش في العمق التاريخي لبرامجنا الدراسية والتي يمكن القول أنها مرت بعدة مراحل على المستوى النظري دون أن نتطرق لبعدها التطبيقي بدءا من الكتاب المدرسي إلى الممارسات الصفية، فإذا أمعنا النظر في هذه السيرورة التاريخية لبرامجنا نكتشف أن الديباجات النظرية سليمة، وأنها مرت كما في دول العالم بمراحل طبيعية بدءا من بيداغوجية المحتوى التي هيمنت في حقبة الستينات والسبعينات من القرن الماضي إلى بيداغوجية الأهداف التي أطرت مناهجنا انطلاقا من أواسط الثمانينات والتسعينات لنصل إلى استجلاب المقاربة بالكفايات وهنا تكمن المعضلة . ففي بداية الألفية الحالية انطلق النموذج الكفائي مع ظهور الميثاق الوطني للتربية والتكوين  وتمت أجرأته من خلال الكتاب الأبيض وخاصة الوثيقة الإطار سنة 2004 وتم إخراج كتب مدرسية في حلة جديدة تعتمد المقاربة بالكفايات كما نص على ذلك الميثاق الوطني للتربية والتكوين ، لكنها كانت كفايات مستعرضة (منهجية- تواصلية- استراتيجية- ثقافية...) وكما نعلم أن الكفايات المستعرضة غير قابلة للتقويم مما جعل المسافة تكون بعيدة جدا بين صياغة البرامج والتقويم . ففي اعتماد المقاربة بالكفايات كان من الواجب التفكير في طريقة أجرأتها وتصريفها في كتب مدرسية وهو ما تم بطريقة متسرعة جعلت الكفايات انطلاقا من الكتاب الأبيض لا تعدو أن تكون أهدافا ليس إلا أو كفايات مستعرضة في أحسن الحالات مما حدا بوزارة التربية الوطنية التفكير في إعادة الصياغة ، فكان نموذج بيداغوجيا الإدماج كمقترح لحل هذا الإشكال . وتمت التجربة وانتهت إلى ما انتهت إليه. ويحق لنا أن ندافع الآن عن إشراك الجميع في الجلوس إلى طاولة التفاوض البيداغوجي لاختيار ما الذي نريده وما هي الكفايات المطلوبة والتي يتوافق حولها الجميع  عسانا ان لا نكرر أخطاء الماضي في الاستفراد بالإصلاح من قبل جهة واحدة. فاختيار النموذج البيداغوجي المؤطر لبرامجنا الدراسية ليس مقاربة تنشيطية داخل الفصل كما يعتقد البعض . فاختيار  الكفايات وطريقة تصريفها في البرامج و في الكتب المدرسية شأن مجتمعي متوافق حوله يحدد السحنة المنتظرة أو الملمح المطلوب والمتوافق حوله من قبل كل أطياف المجتمع . ويبقى تعدد المقاربات الصفية التي تسهم في تنشيط الفصل الدراسي هي ضمن هذا الإطار المنهجي العام الذي يؤطر المنهاج الدراسي . نتمنى ان يتم هذا الأمر في أفق إعادة هيكلة المجلس الأعلى للتربية والتعليم وتفعيل أدواره في أقرب وقت ممكن.




 

للتواصل مع الجريدة  dakhla024@gmail.com

 

للتعليق في الجريدة يجب تجنب القذف والسب والشتم والألفاظ المشينة والتزام قواعد الحوار المدني

كل التعليقات التي تتضمن السب والشتم والإهانة للأشخاص تعني كاتبها وليس  للجريدة أية مسؤولية عنها




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



ss