انضم لنا

إشترك معنا


البحث


أضيف في 24 يوليوز 2017 الساعة 14:40


«الفن الإيكولوجي» لمحمد بلخير...إبداع من أجل إنقاذ كوكب الأرض


الداخلة 24 :

بقلم: يوسف وبعلي

«لا أؤمن بفن يساهم في تخريب الطبيعة، الصناعة وحدها من يفعل ذلك» شاركغرد

منذ العصور القديمة ومنذ أن وجد الانسان على كوكب الأرض وهو في حركة دؤوبة ونشاط جاد في بيئته لتأكيد ذاته وتأمين سبل حياته، وقد تجلى ذلك في صيغة تفاعل إتخدت في عديد من الأحيان شكل صراع مرير لتحقيق ديمومة الوجود والبقاء، سواء في ترويض البيئة لمشيئته أو في التكيف والانصياع لمقتضياتها .
واذا ما تتبعنا أشكال ذلك الصراع سنجد أن الفن كان من بين أهم وأبرز الوسائل التي تسلح بها في مواجهة البيئة وتحقيق أغراضه منها. حيث تعد رسوم الكهوف من عصور ماقبل التاريخ أول الشواهد المهمة في تسخير الفن بطريقة سحرية ليكون سبيلاً للإنسان في نيل نصيبه من الغذاء والبقاء .
فلا نجد إنساناً يستطيع التخلص كليا من ضغط البيئة أو من الروابط الطبيعية التي تشدهُ اليها منذ أقدم العصور. لهذا فالفن يجد ذاته في حالة تفاعل الإنسان مع واقعه ويتجلىّ بشتىّ الأشكال التي يعبر عنها في علم الجمال بمقولات الجمال لتمثل التفسير والتصميم النظري لطابع تفاعل الإنسان مع بيئته. هكذا اذن، يبدو أن الفن هو إدراك بشري يتناول مشاهد الطبيعة ويتمثلها ويصوغها لتحقيق غايات الأنسان.

إن البيئة، كانت – ولا تزال- مصدرا للإلهام لدى الكثير من الفنانين على مر التاريخ، إذ يعتبر «الفن الإيكولوجي» طريقة للتعبير من لدن الفنان عبرأعمال لها علاقة مباشرة مع البيئة. ويتخطى «الفن الإيكولوجي » اللوحة والتصوير والأدوات التعبيرية التقليدية، ويقترب إلى الإيجاز في المواد المركبة للأثر الفني، الإيجاز باعتباره أقصى الرؤية الجمالية والتوظيفية المبتغاة من لدن الفنان للتعبير عن رؤيته وتمرير رسالته. يخبرنا الناقد الأمريكي هال فوستر بكون الأعمال المنجزة داخل هذا التيار الفني «مواد مأخوذة من البيئة لخلق أشكال جديدة أو إعادة توجيه رؤيتنا نحو البيئة؛ مشاريع تشمل مفردات جديدة، غير طبيعية في سيناريو طبيعي، إنها ابتكارات مدروسة نابعة من وعي اجتماعي».نستخلص من هذا أن الهدف من الفن البيئي هو الإقتناع بأن كل شيء يُرمى من الممكن أن يشكل عملاً فنياً إذا أعيد تدويره بشكل فني.

في أقصى الجنوب المغربي تحديدا بمدينة الداخلة ، حيث الطبيعة لا تزال إلى حد ما بعيدة عن عبث الإنسان، اختار فنان  يدعى محمد بلخير أن يحافظ عليها بطريقته الخاصة، اختار أن يستمد المواد الخام لرسوماته و مجسماته البيئية من الطبيعة نفسها، بعيداً عن المواد المُصنعة، والألوان من الحصى والرمل و الطين. هكذا يثمن موادا كان يلفها الإهمال، ليصنع منها مجسمات و لوحات فنية يجسد فيها الجمال بمواد تضر البيئة لو بقيت مرمية هنا وهناك.

لم يذهب محمد بلخير إلى معاهد الفنون الجميلة، ولم يدرس نظريات الفن في مقاعد الجامعة. هو رسام وفنان سلك منهجا فنياً فريداً من نوعه منذ سبعينيات القرن الماضي. إذ قرر منذ البداية أن يصنع ألوانه التي يستخدمها من  الأخشاب المرماة والمُهملة في الطبيعة و بعض الأعشاب التي تنمو في قريته، وابتكر نمطاً جديداً في الفن، مستعملاً الرمال والحصى والطين الملونة التي يجمعها من الأودية والتلال المجاورة.

واذا ما دققنا الرؤية قليلا في أعماله الأخيرة، المندرجة بقوة داخل مدرسة «الفن الايكولوجي»، من حيث طريقة الاشتغال والرؤية والرسالة التي تحملها أعماله تجاه سؤال البيئة والتي قام بعرضها  في العديد من المناسبات أهمها؛مشاركته في الملتقى الجهوي للاندية التربوية الذي نظمته الاكاديمية الجهوية للتربية و التكوين لجهة الداخلة  وادي الذهب يوم 21 أبريل  سنة 2017،وقبله في فعاليات  منتدى كرانس مونتانا المنظم بمدينة الداخلة من 16 الى 21 مارس 2017 ، سيحق لنا القول أن محمد بلخير يمكن اعتباره «مدرسة فنية قائمة ومستقلة بذاتها» حيث وضعنا في معارضه أمام سؤال البيئة وضرورة إعادة النظر في المشاكل التي يحياها الكائن، كما وضعنا في مواجهة صريحة لما اقترفه الإنسان في حق الطبيعة من تدمير. فالفنان اليوم أمام ضرورة حتمية لوضع الفن موضع تساؤلات تحاول البحث عن أجوبة تتعلق بالكائن الانساني بالضرورة، باعتباره الفاعل الرئيسي.

لقد إستوحى محمد نظرة لواقع حياتنا اليوم و علاقته بإستقرار منظومة الأرض من تتبعه لأنشطة المؤتمر  العالمي للأطراف كوب 22 حول المناخ المنعقد مؤخرا بمراكش، و خصوصا الرسالة الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس حول واقع المناخ في ظل التحديات التي أصبح مصدرها الإنسان و ضحيتها الإنسان و كوكبه الأرض، وهو واقع مهدد لاستقرار البشرية بفعل الهيمنة و السيطرة المفرطة للعقل الإنساني على محيط و فضاء الكرة الأرضية دون وعي بالنتائج الكارثية التي قد تؤثر بشكل سلبي على علاقته بفضائه الكوني .

ولكون «الفن الايكولوجي»  فن ذو رسالة تعبيرية تهدف لتغيير الذائقة البصرية لدى الجمهور وإرضائه في نفس الوقت متجاوزا للتقاليد التصويرية فإن الأعمال الفنية و المجسمات البيئية لهذا الفنان تأتي خالية من كل الصباغات الصناعية والمواد غير الطبيعية، مما يعطيها شرعية جماليتها وقوة رؤيته التي تحملها كل لوحاته الفنية ومجسماته البيئية التي يمكن تصنيفها ضمن خانة «الإنشاءات الفنية»، كما أن تقنية التدوير لها حضور وازن داخل أعماله، إذ عمد لتدوير وإعادة تصنيع المخلفات الصناعية والنفايات و الورق المستعمل والاخشاب المرماة، لتشكيل لوحات فنية و مجسمات لمنازل و نزل بيئية مستوحاة من ثقافة البيضان المحلية كأن بها يحاول إرسال رسالته التي مفادها أن  الاستثمار بالجهة ينبغي ان يكون مستداما و يحترم البيئة والخصائص الثقافية و التراث المحلي.. فغاية هذه المدرسة الفنية، التي تنتمي إليها أعمال محمد بلخير، جاءت تدعو إلى تغيير سلوكيات الإنسان من خلال توجيه رسالة فنية تربوية نبيلة  ذات جمالية  تحمل طابعاً فكرياً في قالب فني بيئي محبب إلى النفس يحفز المتلقي وينمي قدراته ووعيه البيئي والثقافي.

يقول محمد الذي يعمل مياوما متواضعا: «على الرغم من أني لم أجد من يمد يد العون لي من المؤسسات الرسمية المعنية بالداخلة وادي الذهب، الا أنني  لم أستسلم وواصلت عملي إذ شاركت في كثير من الملتقيات الفنية و التربوية المحلية و الوطنية و الدولية ، وحصدت بعض الشواهد، كما أنني وصفت كوني أول من تعامل مع المجسمات الهندسية البيئية والفن الايكولوجي بالأقاليم الجنوبية للمملكة. مؤكدا:«لدي الكثير من الأفكار التي أسعى إلى إنجازها، لكنها تفتقر إلى الدعم المادي، فالمسؤولون والمنتخبون يطلقون وعوداً كثيرة، لكنها لا تنزل على أرض الواقع».

قد يختلف الناس فيما إذا كانوا يحبون مثل هذه القطع الجميلة في أعمال هؤلاء الفنانين الذين يستخرجون من النفايات والمواد المحلية الطبيعية تحفا فنية جميلة، إلا أنها تخدم الغرض في جعلنا نرى بيئتنا بعيون التأمل وتحفز النقاش حول القضايا البيئية المهمة و ترفع الوعي البيئي والثقافي. 





تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها


1- تهنئة

يوسف وبعلي

كل تشكراتنا الخالصة للمنابر الاعلامية المحلية و الجهوية التي على رأسها الداخلة24، والتي قامت، دون تردد، بنشر هذه السطور المتواضعة والتي أردنا من خلالها تثمين أعمال فنان محلي يجعل من النفايات و المواد الطبيعية المحلية مادة اولية لانتاج رسومات و مجسمات بيئية و أعمال جمالية تحمل أفكارا ابداعية تروج لرسالة نبيلة وهي الحفاظ على البيئة و التربية على التنمية المستدامة.

في 24 يوليوز 2017 الساعة 40 : 15

أبلغ عن تعليق غير لائق


 

للتواصل مع الجريدة  dakhla024@gmail.com

 

للتعليق في الجريدة يجب تجنب القذف والسب والشتم والألفاظ المشينة والتزام قواعد الحوار المدني

كل التعليقات التي تتضمن السب والشتم والإهانة للأشخاص تعني كاتبها وليس  للجريدة أية مسؤولية عنها




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



ss