انضم لنا

إشترك معنا


البحث


أضيف في 30 نونبر 2017 الساعة 22:30


اقتصاديات الصحراء: آلية لتنفيذ النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية


الداخلة 24 : 


الدكتور الوالي عيلال. استاذ بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير- الداخلة

 

تغطي الصحراء تقريبا جميع أراضي الأقاليم الجنوبية، والواقع أن هذه المنطقة غنية بتنوعها الطبيعي
والثقافي وإمكانياتها الاقتصادية، ومن الواضح بالتالي،  أن أي رؤية للتنمية الاقتصادية المستدامة والمحوكمة لهذه الجهة،  تتطلب الاستغلال الأمثل للفرص والإمكانيات الكامنة في هذا الفضاء الصحراوي. مما يجعل تناول قضية التنمية بهذه المنطقة بمنظور اقتصاديات الصحراء أولوية و وسيلة من وسائل تنفيذ النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية،  من خلال توظيف مبادئ الذكاء الاقتصادي الترابي و العلوم الجهوية (العلوم الإقليمية)، لربط كل الفاعلين والشركاء المحتملين من أجل الحصول على أفضل النتائج التنموية،  ليس فقط لصالح هذه الجهات الجنوبية و لكن في سبيل تنمية مستدامة و متناسبة مع الخصوصيات المحلية تنعكس إيجابا على المستوى الوطني.

  وقد أظهرت التجربة أن التركيز على مورد واحد (البحر في حالة جهة الداخلة وادي الذهب)، مهما كانت طبيعته ووفرته، لا يؤدي بالضرورة إلى تنمية اقتصادية مستدامة ومتوازنة، تحول دون استنزاف وتدهور هذا المورد، كما أن الاهتمام بالأنشطة البحرية على حساب المجالات الأخرى، يتنافى و مبدأ التنويع الذي يقضي بتنوع النشاط الاقتصادي و تكامله لتخفيض المخاطر.
 إضافة إلى البحر والصيد، هناك حاجة ملحة للاهتمام بجميع جوانب اقتصاديات الصحراء، ك السياحة، الطاقات المتجددة،  الزراعة، المواد الأولية، التجارة والنقل والخدمات اللوجستية، التكنولوجيا، الطبيعة والبيئة، التراث الثقافي المادي وغير المادي.

يمكن في البداية التركيز على السياحة الصحراوية،  كمثال نموذجي لقطاع اقتصادي لا يتطلب الكثير من الموارد من حيث الاستثمار، ومع ذلك، فهو متوافق مع مؤهلات وخصوصيات وخبرة سكان هذه المناطق، عبر تصميم عرض سياحي متكامل مع العرض السياحي لجزر الكناري، الذي يتمحور حول السياحة الشاطئية، للحصول على منتج سياحي يجمع مابين الصحراء و البحر و يستفيد من القرب الجغرافي ومن التدفقات السياحية الكبيرة في هذه الجزر، التي تعتبر من بين الوجهات السياحية الأولى على المستوى العالمي.
و لأن الطبيعة لا تقبل الفراغ  و في إطار التنافس الاقتصادي المشروع و في غياب عرض سياحي في الجهات الجنوبية، متكامل مع العرض السياحي لجزر الكناري، فاءن جهات أخرى في المملكة تغطي، إلى حد ما، هذا الفراغ، عبر تعاون يجمعها بهذه الجزر و من الأمثلة الصارخة قدوم بعض السياح إلى مدينة الداخلة لقضاء فترة معينة، في الغالب في إطار السياحة الشاطئية و الرياضات المائية ثم يتوجهون صوب وجهات سياحية أخرى بحثا عن الصحراء خارج جهة الداخلة وادي الذهب و كأنها لا توجد صحراء في هذه الجهة متوفرة على جميع المقومات الطبيعة و الجمالية، كفيلة بجعلها وجهة سياحية عالمية بامتياز.
حسب أبسط مبادئ التنمية المتعارف عليها و التي تقول انه لرفع احتمال تحقق الأهداف التنموية،  سيكون من الأجدى التركيز على تنمية المؤهلات المتوفرة بشكل طبيعي و التي قد لا تتوفر في مناطق أخرى، بمعني تثمين و إبراز المميزات الحصرية و الاستثنائية. في حالة جهة الداخلة وادي الذهب فتوفرها على توليفة  فريدة من نوعها في العالم بين الصحراء و البحر والمناخ،  تعد بلا شك ميزة تنافسية وحصرية لهذه الجهة، وبطبيعة الحال، فإن أي نموذج تنموي ناجح  في هذه المناطق، من المفترض أن يأخذ في الاعتبار التكامل بين الصحراء والبحر: أولا، لأسباب ثقافية، ف إلى عهد قريب كان العمل في مهن البحر و ب المقاهي و الفنادق يكاد يكون نوع من الدونية و العيب في ثقافة أغلب المناطق الجنوبية.   ثانيا،  لأسباب عملية واقتصادية بحتة. يكفي أن نلقي نظرة على عدد  من البلدان التي تمكنت من تطوير الصحراء وتحويلها إلى مساحة مليئة بالأنشطة الاقتصادية ذات القيمة المضافة العالية، والأمثلة متعددة: أستراليا، الإمارات العربية المتحدة و الولايات المتحدة الأمريكية ... لذالك استحضار و استلهام تجربة هذه البلدان يمكن أن يكون هو النهج الصحيح، لتطوير رؤية طموحة وعملية لجعل التكامل بين الصحراء والبحر قاطرة حقيقية للتنمية المتكاملة، الشئ الذي يتطلب عقد اتفاقيات شراكة وتعاون مع الشركات، المنظمات، الجامعات، وجميع الجهات الفاعلة في تنمية المجالات الصحراوية، بما في ذلك الحكومات في تلك البلدان، للاستفادة من معارفها النظرية و خبرتها العملية والتقنية. وتشجيع البحوث العلمية التي تلامس القضايا التنموية المحلية الملحة المرتبطة بالصحراء و البحر من خلال تنظيم مؤتمرات علمية دولية.
 فدولة الإمارات العربية المتحدة مثال ناجح يحتذى به، خصوصا في جانب استجلاب الخبرات التقنية والتكنولوجية من أجل إعمار وتنمية الصحراء و تأهيل الموارد البشرية المحلية.  كذالك هناك تجارب محلية مغربية، نجحت في تطويع الصحراء على سبيل المثال إقليم زاكورة أصبح وجهة عالمية في السياحة الصحراوية.  من هنا تأتي أهمية تحليل مقومات هذا النجاح بالنظر إلى المؤهلات الكبيرة للمجال الصحراوي في الأقاليم الجنوبية بالمقارنة مع إقليم زاكورة، نظرا لصغر مساحته وعدم توفره على امتداد بحري، لكن يمكن تفسير نجاح هذا الإقليم بوجود وعي جماعي لدى السكان بأهمية الصحراء من الناحية الاقتصادية، فتكيفوا مع واقع اقتصادي جديد، رغم أن معظم الأنشطة يمكن تصنيفها ضمن القطاع غير المهيكل وهو ما ينطبق على جهة الداخلة وادي الذهب،  فهنا مجموعة كبيرة من الشباب تعمل في البحر و السياحة، خصوصا النقل السياحي، بعضهم حاصل على شواهد  لكن لا يوجد إطار قانوني يمارسون من خلاله هذه المهن و هو ما يجرنا إلى الحديث عن إشكالية عدم مواكبة التعليم لمتطلبات سوق الشغل وهي مشكلة أساسية لا تقتصر على الأقاليم الجنوبية فقط بل تهم كامل التراب الوطني.
لحلحلة هذا الوضع، يمكن إتباع إجراءين أساسين: أولا، بحكم الأمر الواقع، ينبغي التعامل مع الوضع الحالي وإيجاد حلول عملية لهذه الشريحة الكبيرة من الشباب، تتيح إدماجهم بشكل قانوني في القطاعين  السياحي و البحري من خلال إخضاعهم لتكوين كثيف و مبسط، يراعي تباين مستوياتهم الدراسية ويتوج بحصولهم على رخص أو شواهد معترف بها، تضمن لهم مزاولة هذه المهن ضمن إطار قانوني.
ثانيا، العمل على حل مشكل عدم مواكبة التعليم لمتطلبات سوق الشغل بشكل جدري و القطيعة مع الحواجز و التصورات الثقافية السلبية المرتبطة بالعمل بالبحر و السياحة،  خصوصا المطاعم و الفنادق،  عبر بناء كلية لعلوم الصحراء و البحر في جهة الداخلة وادي الذهب،  يتم فيها تدريس الجوانب النظرية و التطبيقية لكل المعارف العلمية، الطبيعية، الاقتصادية والثقافية المتعلقة ب الصحراء و البحر. تبني مثل هذه الحلول أصبح ممكنا في ظل الجهوية المتقدمة التي توفر الآليات و الوسائل و حتى الإمكانيات المالية لمسيري الشأن المحلي لطرح حلول ومبادرات مبتكرة، تتوافق مع مؤهلات و خصوصيات كل جهة.




 

للتواصل مع الجريدة  dakhla024@gmail.com

 

للتعليق في الجريدة يجب تجنب القذف والسب والشتم والألفاظ المشينة والتزام قواعد الحوار المدني

كل التعليقات التي تتضمن السب والشتم والإهانة للأشخاص تعني كاتبها وليس  للجريدة أية مسؤولية عنها




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



ss