انضم لنا

إشترك معنا


البحث


أضيف في 2 يناير 2018 الساعة 14:25


مستجـدات نـزاع الصحراء بعيـون خبيـر أممـي


الــداخلة24:    - هيسبريس


عين الخبير الأممي من أصل مغربي مختار لماني، قبل أيام، عضواً في أحد أعرق مراكز الأبحاث الدولية بكندا الذي يقوم برسم سياسات البلاد على مستوى الملفات الخارجية، وتم تكليفه، إلى جانب فريق من الخبراء والمتخصصين، بملف الأمن والإرهاب، للوقوف على مدى حقيقة التهديدات الإرهابية من عدمها وكون الأمر مجرد فزاعة لتحقيق غايات أخرى.

وتحدث الدبلوماسي الكندي، في حوار مع جريدة هسبريس، عن تجربته الأممية التي راكمها لأزيد من ثلاثين سنة في مجال الوساطة الأممية وحل النزاعات في مناطق الصراع، خاصة في العالم العربي والإسلامي. كما يكشف عن نظرته المستقبلية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والتحديات الكبيرة التي تواجهها، على مستوى تنمية الإنسان وتحقيق نهضة حقيقية وإصلاح التعليم والقضاء على الفقر ومكافحة الفساد الذي ينخر أنظمة المنطقة.

وعلاقة بالوضع المغربي، يشير المختار لماني إلى أن ملف قضية الصحراء شهدت الكثير من الأخطاء لأنها لم تستطع الخروج من النظرة الضيقة والحلول التقليدية، وساهمت في تأخير تنمية المنطقة على حساب الشعبين المغربي والجزائري. ويقدم أيضاَ ملاحظاته حول مسار الملف المعقد من داخل ردهات الأمم المتحدة، والتحديات التي تواجه المغرب في ظل التقلبات الاجتماعية من قبيل "حراك الريف" و"حراك جرادة" و"ثورة العطش".

يشار إلى أن المغربي الكندي مختار لماني يتمتع بخبرة كبيرة في مجال الدبلوماسية؛ إذ سبق أن شغل منصب رئيس مكتب مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، وكان مبعوثا للجامعة العربية في العراق (2006-2007)، وممثلا للأمم المتحدة لدى منظمة المؤتمر الاسلامي (1998-2002)، لكنه قدم استقالته من ملفي سوريا والعراق احتجاجاً على طريقة تعامل المنتظم الدولي مع المنطقة.

وإليكم نص الحوار:

تم تعيينكم مؤخراً عضواً في المركز الدولي الكندي، ما طبيعة هذه المؤسسة وما هي المهام الجديدة الموكولة إليكم؟

بداية أود أن أشير إلى أن هذا المركز هو من أقدم مراكز الأبحاث العالمية المتخصصة في العلاقات الدولية، يوجد مقره بتورونتو ولديه الكثير من الفروع، تقريبا في جل المدن الكندية. ويشتغل على مواضيع بخصوص مكانة كندا في القضايا الدولية، ويوجد على رأس مجلس إدارته وزير الخارجية السابق بيل غراهام. أنا الآن أشتغل على أول مشروع بالمركز يهدف إلى إيجاد حلول مغايرة في قضايا الإرهاب، لأنه منذ أن سيطر "داعش" على العراق والموصل لاحظنا أن التحركات العالمية لم تخرج عن نطاق ردود الفعل المتعلقة بالجوانب الأمنية والعسكرية، في الوقت الذي كان من المفروض البحث عن خطوات استباقية.

مثلاً، لقد استطاع المجتمع الدولي أن يعقد الكثير من القمم العالمية حول مواضيع المناخ والسيدا والقضايا الاجتماعية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم تعقد قمم من هذا المستوى للحديث عن مخرجات بديلة لقضايا الإرهاب؟ كما أن التحالفات التي قامت في هذا الجانب، سواء من الطرف الأمريكي أو الروسي، انطلقت من زوايا ضيقة جداً وأجندات متناقضة، بما لا يوحي بوجود حلول جذرية عميقة متعددة الجوانب.

ونحن نودع العام الجديد، كيف ترى التحولات التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟

أنا لست متفائلاً تماماً، لأن ما نقوم به اليوم كان يجب أن يكون قبل سنوات، ولا زال دون مستوى الحل. يجب أن نربط المواضيع التي تقض مضجع المنطقة بملفات عديدة، من قبيل الحكامة والتربية وفشل النظم التعليمية وعدم وجود آفاق للشباب. مؤخراً، تم الكشف عن نتائج تستطلع رأي شباب بالمنطقة تتراوح أعمارهم ما بين 15 و20 سنة، حول الأولويات المناسبة التي يرونها بالنسبة لدولهم، فكانت النتائج صادمة جداً؛ بحيث في كل الدول تقريبا عبّر أكثر من 50 في المائة عن رغبتهم في أن يهاجروا من بلدهم؛ وهذا تحول خطير يدل على أن المنطقة لا زالت تعاني من مشاكل كبيرة جداً.

بعد ظهور "القاعدة" و"داعش" في "مينا"، علينا أن نتصور ما سيخرج لنا بعد عشر سنوات من الآن. أتوقع أن تقدم المنطقة على مشاكل مستعصية لأن الحلول المطروحة تبقى دون المستوى، سواء محليا أو إقليميا، أو أمميا من داخل مجلس الأمن.

هل يتحمل الغرب وحده ما يجرى بهذه المنطقة؟ أم إن طبيعة الأنظمة المستبدة كانت سببا رئيسيا وراء تخلفنا وتدهورنا؟

أكيد أن الحكام في المنطقة هم أصحاب المسؤولية الأولى. وهنا نطرح تساؤلاً جوهريا: ماذا قدموا للأجيال الصاعدة؟ على سبيل المثال، في دول الخليج الغنية، تجد المواطنين يعيشون الرفاهية، ولكن في مجال التكوين والتعليم يشترون كبريات البرامج التعليمية من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. هناك فشل حقيقي في الحاجات الأساسية التي تهم المواطن، من قبيل التعليم والتطبيب وأمن الإنسان. ولا يمكن أن ننكر أيضا وجود تواطؤ من الغرب الذي يتكلم دائما عن الديمقراطية لكن الحقيقة أنهم يقصدون الديمقراطية في أوطانهم؛ إذ بمجرد ما يقطعون البحار يدعمون الأنظمة الأكثر دموية فقط من أجل مصالحهم.

الأوضاع باتت متدهورة ومقلقة، من كان يتصور ما وصلت إليه سوريا، والعراق البلد الأغنى في العالم الذي تحول شعبه إلى أفقر الشعوب. طبيعة الأنظمة التي جاءت بعد التحولات التي وقعت كانت أسوأ بكثير من السابقة. رغم كل ما يمكن أن نقول حول ايجابيات الربيع العربي، فإن الأمور ليست بخير. يجب أن لا ننسى أن الثورة الفرنسية التي أصبحت مثالا يحتذى به في موضوع حقوق الإنسان وكرامة المواطن والديمقراطية، تلتها حوالي نصف قرن من الفوضى العارمة، والأمور بدأت تصحح نفسها بنفسها تدريجياً؛ وهو الأمر الذي قد ينطبق على منطقتها.

على ذكركم للمف السوري، العالم كان يعول عليكم للوصول إلى توافق بين الفصائل المسلحة، خصوصا وأنك تعد أحد أكثر الخبراء الأمميين معرفة بأدق تفاصيله الداخلية. لماذا فشلت وساطتكم؟

يجب الأخذ بعين الاعتبار نقطتين أساسيتين: الأولى، أن ما وقع في سوريا هو نتيجة تراكمات لعشرات السنين من نظام أمني بوليسي قمعي خلق انعدام الثقة بين جميع الأطراف رغم التعدد الذي تعرفه البلاد ومستوى الفكر هناك. ومن بين الأمور التي صدمت بها انعدام الثقة نهائياً بين السوريين. ثانيا، التشرذم الكبير الذي عرفه المجتمع السوري تحول إلى تطاحن سياسي وأخذ أبعاداً طائفية. مثلاً، عندما كنت مسؤولاً على الملف، وكنا نحاول تفكيك وتحليل المعطيات حول ما يُسمى بالكتائب، أحصينا ما يزيد عن ألفي اسم حينها. هذا الأمر صعب الوصول إلى اتفاقات، خصوصا بعد تعقد الأمور وتراكم المشاكل وتدخل الغرب؛ حيث انتقل المشكل مما هو داخلي إلى مشكل إقليمي ودولي، وترتبت عنه أشياء جديدة حتى في مفهوم القانون الدولي.

أحسست بأنني أصب الماء على الرمل، وهو الإحساس نفسه الذي شعرت في مهمة العراق، وأنا لا يمكن لي أن أكذب على أطفال سوريا في كل ما يتعلق بقضيتهم.

تقصد أن المنتظم الدولي الذي يشرف على حلحلة قضايا المنطقة صار جزء من المشكل وعائقا أمام فض النزاعات؟

تماماً، يجب القيام بمراجعات بعمق وعلى الأمين العام للأمم المتحدة، بصفته المشرف على ميثاق المؤسسة الأممية، أن يتحلى بالجرأة والقوة، كما حصل في تاريخ الأمم المتحدة مع الأمين العام السويدي داغ همرشولد الذي قتل، والذي كان يضرب الطاولة عندما يتعلق الأمر بالتدخل الأمريكي أو السوفياتي. من خلال عملي لسبعة وثلاثين سنة في هذا المجال، فإن حل النزاعات لا يمكن أن يتحقق فقط بتعيين وسطاء أمميين، بل هناك أشياء تتعلمها من الواقع ولا تدرس في الجامعات أو مكاتب الأمم المتحدة. عندما تكون وسيطاً بين جماعات تتقاتل فيما بينها، فأنت تحتاج إلى شرط أساسي للتقدم والنجاح وهو أن تكون الفئة المستهدفة قد تعبت من القتال، وهذا شرط ليس في يدك. وعلينا أن نقوم الحقيقة الكاملة كوسطاء أمميين، والتدخل الدولي يجب أن يكون من خلال معالجة أخرى ونوع من الإبداع للحد من الحروب وإنهاء المأساة التي يعيشها الأبرياء المدنيون.

ننتقل إلى الوضع المغربي، الرباط تتنازع أممياً مع جبهة البوليساريو حول قضية الصحراء دون التوصل إلى حل أو إحراز أي تقدم يذكر. هل تعتقد أن من مصلحة الأمم المتحدة أو الدول الرئيسية في مجلس الأمن أن يستمر هذا الملف في وضعه الثابت؟

للأسف نزاع الصحراء في أصله غلط، لأن الطريقة التي طُرح بها كانت مبنية على أجندات وليس على أساس رؤية واضحة المعالم. وما يؤسف له، هو أن استمرار الصراع شكل عائقاً كبيراً في تنمية المنطقة وتعاون دول الجوار، لقد وصلت العداوة بين المغرب والجزائر إلى الشعبين رغم أنهما في الحقيقة إخوة ولديهما الكثير من القواسم المشتركة على مستوى الهوية والحدود الجغرافية.

الملف خيم عليه نوع من الشوفينية الضيقة توارثتها أجيال بعد أجيال. كانت هناك فترات انفراج كان من الممكن تغيير النظرة التقليدية إلى هذا النزاع، خصوصا خلال عهد الرئيس الجزائري محمد بوضياف ووزير الخارجية الأخضر الإبراهيمي. يا أخي، المنطقة لا تحتاج إلى المزيد من التجزئة؛ إذ في الوقت الذي ينتظر فيه التعاون المشترك بين الدول المغاربية نجد أن الجميع يطرق أبواب إفريقيا عن طريق المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (سيدياو).

أعتقد أن قضية الصحراء هي الآن في نقطة الصفر، وعلى المغرب والجزائر أن يضعا مصالح المنطقة فوق كل اعتبار. أتمنى أن يكون هناك وعي بالأولويات لدى الحكام لتحقيق التنمية لأنها أساس المواطنة.

وعن آفاق النزاع، فإنه من الوارد جداً في حالة خروجه عن نطاقه الإقليمي أن تفرض الأمم المتحدة حلاً على الطرفين إذا تحول الملف إلى مصدر للخطورة، خصوصا في ظل التحديات الإرهابية المحدقة بالمنطقة، وقد تصير الحلول التي تطرح حينها تختلف تماماً عن الحالية. ويبقى الحل الأمثل هو الاتفاق والنظر برؤية استراتيجية ومستقبلية تأخذ بعين الاعتبار مصالح المواطن في الأصل.

أنت تُتابع الشأن المغربي من الخارج. كيف ترى مستجدات الأوضاع في ظل الإصلاحات والتقلبات الاجتماعية التي تشهدها البلاد بين الفينة والأخرى، من قبيل حراك الريف وحراك جرادة وانتفاضة العطش، في مدن كثيرة؟

لقد غادرتُ المغرب منذ سنة 1979، ولكنني زرته في إطار المشاركة في مؤتمرات كثيرة. لا يمكن لأي أحد أن ينكر التطورات التي شهدتها البلاد على مستوى الاستثمارات الضخمة وتطور البينات التحتية. ولكن لقد علمتنا التجارب أنه إذا لم تأخذ هذه الإصلاحات الإنسان كمركز أساسي في التنمية سيكون مآل جميعها هو الفشل. هناك دول كانت أفقر من المغرب في ستينات القرن الماضي، مثل كوريا الجنوبية، لكنها اليوم أحسن بكثير من المغرب والجزائر، والأمر نفسه بالنسبة لدولة ماليزيا؛ وهذا النجاح تم تحقيقه بفضل الاستثمار في الإنسان.

خلاصة القول، إن جهود التنمية في المغرب يجب أن تنصب على تحسين أوضاع المواطنين، لنأخذ مثلاً نموذج النظام التعليمي. لقد حقق فشلاً مهولاً، ناهيك عن قضايا الفساد والتستر على المفسدين لسنوات طويلة في البلاد، حتى صار عادياً أن يقوم وزير أو مسؤول باختلاسات. أعتقد إذا لم ننتقل إلى منطق الصرامة والمحاسبة، فلن ننجح في أهدافنا.

أعطيك مثالاً على سبيل المقارنة مع دولة مثل كندا، ذات يوم بارد شاهد أحد الصحافيين وزيرة يوم الأحد وهي تستغل سيارة الدولة أثناء خروجها إلى التسوق، فقام بنشر الخبر في المنبر الذي ينتمي إليه، وعليك أن تتصور الضجة التي عصفت بالحكومة، فتم طردها وإقالتها رغم أنها قدمت أدلة أن سيارتها الشخصية تعطلت في اليوم ذاته وكشفت للرأي العام فواتير تؤكد أن وقود السيارة هي من دفعت ثمنه. هذا للأسف لا يوجد في المغرب، قد تجد مسؤولين صغاراً يتجولون بسيارات الخدمة غير مكترثين بأموال الشعب، ويمكن أن تقيس على هذا في مناحي كثيرة من مظاهر الفساد.

لماذا لم تفكر في العودة إلى المغرب؟

أنت تعرف العمل في التجربة الدولية يتطلب عليك أن تتحلى بنوع من الاستقلالية. هناك كثير من زملائي في الدراسة وصلوا إلى مناصب عليا، ومنهم من وصل عن طريق المحسوبية والزبونية والريع الحزبي، أنا أفضل أن أخدم شعبي وبلدي من موقعي هذا على أي موقع آخر.




 

للتواصل مع الجريدة  dakhla024@gmail.com

 

للتعليق في الجريدة يجب تجنب القذف والسب والشتم والألفاظ المشينة والتزام قواعد الحوار المدني

كل التعليقات التي تتضمن السب والشتم والإهانة للأشخاص تعني كاتبها وليس  للجريدة أية مسؤولية عنها




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



ss